الجرعات النفسية والعصبية الزائدة
الأفيونيات والنالوكسون، والبنزوديازيبينات والفلومازينيل، وثلاثية الحلقات والبيكربونات، والليثيوم ومتلازمة السيروتونين.
الجرعة الزائدة من الأفيونيات والنالوكسون: عكس مكبح التنفّس
معظم حالات التسمّم أُحجية — خليطٌ من العلامات المتداخلة عليك أن تفكّكها. أما الجرعة الزائدة من الأفيونيات فهي الاستثناء: مريضٌ لا يستيقظ، يتنفّس ببطءٍ شديد، وحدقتاه انكمشتا إلى رأس الدبّوس. إنها أوضح صورةٍ في علم السموم، وتقتل بأبسط طريقةٍ ممكنة — الدماغ ينسى أن يتنفّس. وما يجعلها جديرةً بالتعلّم هو الترياق. النالوكسون (Naloxone) مضادٌّ تنافسي شبه مثالي: تعطيه فيعود مريضٌ على أعتاب الموت إلى التنفّس خلال دقيقةٍ أو اثنتين. لكن الدواء نفسه إن استُخدم بلا حذرٍ قد يقذف مريضًا مدمنًا إلى انسحابٍ عنيف، وقصر عمره قد يدع المريض ينزلق تحت السطح مجددًا حالما يزول مفعوله. وضبط الجرعة هو الفنّ كلّه.
جرعة المهدّئات المنوّمة الزائدة: لماذا نادرًا ما يكون الفلومازينيل هو الحلّ
ثمّة ترياقٌ لجرعة البنزوديازيبينات (Benzodiazepines) الزائدة. يعمل خلال دقائق، ويعكس الغيبوبة، ويبدو الخيار البديهي — ولهذا يُبقيه معظم أطبّاء السموم في الدرج بإحكام. فالفلومازينيل (Flumazenil) قد يقلب مريضًا ناعسًا يتنفّس إلى آخر يتشنّج بلا سيطرة، والتشنّجات التي يكشفها قد تكون من أعصى ما يُوقَف. والحقيقة الأعمق لتسمّم المهدّئات تكاد تخيّب التوقّع: جرعة البنزوديازيبينات الصرفة الزائدة من أأمن ما في دستور الأدوية، والمريض الذي يُؤمَّن مجراه الهوائي ويُعطى الأكسجين والوقت يستيقظ في الغالب دائمًا. ومعرفة متى لا تمدّ يدك إلى الترياق هي المهارة كلّها.
جرعة مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات الزائدة: البيكربونات والـ QRS العريض
كانت مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات (Tricyclic antidepressants)، لجيلٍ كامل، الجرعةَ الزائدة الكلاسيكية التي تقتل المريض المكتئب بالدواء نفسه الذي قُصِد به علاجه. حفنةٌ من الأقراص قد توقف قلبًا في غضون ساعات. وما يجعلها بهذه الفتك ليس سُمًّا واحدًا بل عدّة سموم تعمل معًا — غير أن الضربة القاتلة آليةٌ واحدة أنيقة قابلة للعلاج: الدواء يُوصِد قنوات الصوديوم في القلب. والترياق بسيطٌ إلى حدّ المفارقة. ليس الديال، ولا عاملًا رابطًا غريبًا، بل بيكربونات الصوديوم (Sodium bicarbonate) — مادةٌ على كل عربة إنعاش — تُستخدَم بطريقةٍ تكشف تمامًا كيف يعمل السمّ.
سُمّية الليثيوم ومتلازمة السيروتونين
أكثر أدوية الطب النفسي فاعليةً هي أيضًا من أخطرها. يقف الليثيوم (Lithium) على حدّ السكين — فالجرعة التي تُثبّت المزاج والجرعة التي تسمّم الدماغ متقاربتان بالكاد، وقد يدفع صيفٌ من الجفاف أو حبةٌ جديدة لضغط الدم مريضًا مستقرًّا إلى ما وراء الخطّ دون قرصٍ إضافي واحد. ومتلازمة السيروتونين (Serotonin syndrome) أغرب: ليست جرعةً مفرطة من دواءٍ واحد بل تصادمَ عدّة أدوية، جهازٌ عصبي يُدفَع إلى فرط النشاط خلال ساعات. كلاهما طارئٌ عصبي. ولا يملك أيٌّ منهما ترياقًا بسيطًا. والتعرّف عليهما — ومعرفة ما يجب ألّا نلجأ إليه — هو ما ينقذ المريض.

